ارتجالات
أخر الأخبار

عن غسان وغادة

علمتُ بالأمس مصادفة أنه ذكرى اغتيال المُناضِل الشاب <<غسّان كنفاني >> وحين قرأت مقالاً عن تاريخه الذي لا يتعدى ستة وثلاثين عامًا شعرتُ كأنما فاتتني وليمة دسمة من الأدب الحقيقي الذي يختلف تمامًا في فصاحته وبلاغته عن كل ما هو “رثّ” ويُقدم في زماننا هذا.

وعقدت مقارنة بسيطة بين شباب اليوم الذي يُناضلون – أيضًا- في قضايا هامة مثل محاولاتهم المتكررة لإثبات أن الرجل لا يُخطأ حتى في قضية مثل “التحرش” و بين ذاك الشاب الذي لم يعلمه أحد كيف يناضل بالقلم، لكنه فتّش وحده حين شعر أنه بالتأكيد ثمة شيء يُفعل، ثمة شيء يُمكن أن يقال لإنقاذ فلسطين غير التحدث عن القضية من وراء شاشات حمقاء بألفاظ ركيكة، وعلمت أين نقف نحن كتّاب هذا العصر من على مسطرةٍ مدرّجة تصل بين الأدب الحقيقي والأدب الرثّ.
نحن بالكاد نقف على الحافة، أو لعلنا سقطنا حتى من على متن المسطرة.

وحين علمت ما فاتني هرعت أقرأ، اشتعل الفضول كالبراكين في صدري،فبدأت بأشهر رواياته “عائد إلى حيفا” فمكثت قرابة الأربعين دقيقة في فلسطين نفسها، رأيت رام الله و أبواب عكة والقدس، رأيت الحواري والحوانيت و البيوت بيتًا بيتًا، رأيت اليهود يغتصبون أرضًا لن يهنئوا بها يومًا، ورأيت عربيًا يُغرّب، و مقالات عن أرضنا في هذا اليوم تُعرّب لأن اليهود خدعتهم عقولهم فظنوا أنّ لهم حرية التعبير عن شيء لم يملكوه بالورق والقلم.

وحينها تذكرت غادة..
والذي يعرفني عن قرب يعرف كم أنا مولعة بالرسائل، و من بين كل أنواع الأدب يمكنني أن أسقط من حساباتي الرواية والقصة والأقصوصة و سائر القصائد وأمكث ما تبقى من عمري أكتب في أدب الرسائل فقط. و وقفت لحظة أعتب عليَّ أني لم أستجب حين رشّح لي أحدهم رسائل غادة و غسان كي تصقل موهبتي بها، فهرعت راكضة أبحث عنها، وقرأت “محاولة للإهداء” أهدتني بها غادة تلك الرسائل، نعم، أهدتني أنا إيها! لأنها أهدتها لكل الذين سيأتون بعد أن تطول قصتهم ذاكرة النسيان العربية، وبدأت أقرأ، ورأيت بين السطور ملامح غسان، و شعرت بالحب كأني أنا من غازلته وليس هي، وكرهت اليهود مجددًا كأنني أجدد كرهي لهم كلما قرأت حرفًا كُتب بواسطتها، و استخرجت من بين السطور كلها قناعة واحدة، أن الأرض لنا .. والحُب – أيضًا- لنا .

-أتعلمين ما هو الوطن يا صفية؟
الوطن؛ ألا يحدث هذا كله.
غسان كنفاني / عائد إلى حيفا .

الصورة لظرف أول مرسال – على الأغلب – كتبه غسان لغادة، والرسالة بخط أيده .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
الرجوع الى الصفحه الرئيسة
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock