مراسيل أدبية
أخر الأخبار

“رسائل من الأسر “

  • كان شعرها بني اللون مرصعًا ببعض الخصلات الذهبية كأنه تاجًا تجمّل بالجواهر، عيناها زمردتين لا لون محدد لهما، لونها يشبه ظاهرة كونية فريدة لم أستطع تذكر أسمها من فرطِ هيامي بهما، يطغى عليها زرقة صافية كأنما السماء فى نهار مارس، تناثر النمش على وجنتيها وتناثر معها قلبي بعد ما فتته حبها كقطع كريستالية على أرضٍ من زجاج، علت حمرة خفيفة أنفها ونظرت لي نظرة حادة مليئة بالصرامة والهدوء فى آنٍ واحد، نظرة ملائكية كنظرات الجنين الأولى و قاسية كنظرة “زيوس” إله الأغريق لأطفاله قبل أن يقتلهم كما تقول الأسطورة فى علم “الميثولوجيا”، لم أستطع تفسير تلك النظرة الثاقب حينها ، هل هى رجاء، خوف، شغف، أم حزن..
    مرت عدد سنوات قبل أن ألتقى بها مجددًا، أنا مدينٌ لها بالعديد من التفاسير، عن الوقت الطويل الذي أختفيته، يجب أن أخبرها عن عذابي خلف قضبان السجن الفرنسي، ليس من قسوة السياط أو الماء الساخن ، فقط من شوقي لها، تمنيتُ لو كان بإمكاني أن أحتفظ بمراسيلي التي سطرتها لها، مزقها الأوغاد قبل أن يطلقوا صراحي مطلقين ضحكاتٍ متعالية ساخرة أن لا معنى للحبِ عند الأسرى فالحب للمنتصرين فقط، وددتُ للغاية لو صفعته مليون صفعة وكسرتُ فكه الذي نطق به هذه الكلمات، تنازلتُ عن كرامتي كأنسان و عُرضتُ على كل لونٍ وشكل من أشكال العذاب وتحملت، تحملتُ فقط لأني قلبي قد أُغدِق بالحب، لكن أن تُهين الحب أيضًا فهذا لن أسمح به، الذي يميز كينونتي كإنسان عن هؤلاءِ الكائنات التي لا يُمكن أن نطلق عليها أسم بشر هو الحب، فالحب هو نصري المتواضع عليهم، ولكني بالنهاية إحتفظتُ بالمقطوعات الموسيقية التي ألفتها وعزفتها على أوتار قلبي كل ليلة عيد ميلاد، فكانت هديتي لكِ هى الموسيقى فوحدها الموسيقى تستطيع السفر عبر القضبان وتخطى المرتفعات وقلوب القساة حتى تصل إلى قلبك..”

وضع الحجر الذي يكتب عليه فى حقيبة قماشية رديئة وخبأه أسفل سريره، أعاد رأسه الدامي إلى الخلف وقال لنفسه،” لا عائد من كل تلك الأحاديث التي تكتبها لها، لن تصل يومًا، لا طائل من كل أشكال الإفراج التي تتخيلها فقط كُتب عليك الموت هنا، لا داعي من أن تسرد لنفسك كيف هي ملامحها فهي محفوظة فى ذاكرتك، لا يُمكنك فعل شيء سو الإنتظار لحدوث معجزة ما أو ثورة عظيمة، والبؤس كل البؤس للمنتظرين رغم ندرة الأمل “

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق